الإدارة الذاتية بين التجربة والاختبار

دخلت الإدارة الذاتية الديمقراطية عامها الحادي عشر، حاملة معها تجربة فريدة من نوعها في سياق الانهيارات والفراغات التي خلّفها الصراع السوري. تجربة بدأت كآمال عريضة لشعوب المنطقة، ونموذجاً بديلاً عن الأنظمة المركزية القمعية التي حكمت لفترات طويلة. لقد مثلت الإدارة الذاتية محاولة لإعادة بناء المؤسسات بطريقة تشاركية وديمقراطية، حيث تسعى إلى إعطاء صوت حقيقي للمجتمعات المحلية، وتطوير نموذج سياسي يختلف جذرياً عن الهيمنة والتسلط، ولكن مع مرور السنوات، أصبح من الضروري – بل من الواجب – فتح ملفات التقييم والمراجعة النقدية بشكل جدي، لا باعتبار ذلك موقفاً سلبياً، بل كمسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه مشروعٍ ما يزال في طور التكوين والتطور.
المشكلة الجوهرية اليوم لا تكمن فقط في الضغوط الخارجية أو التهديدات المستمرة من تركيا، ولا حتى في المتغيرات المعقدة على الساحة الدولية، بل في الخلل البنيوي والإداري الذي بدأ ينخر في جسد الإدارة من الداخل، فالبيروقراطية المتضخمة التي تتفاقم يوماً بعد يوم، وضعف الكوادر المؤهلة التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الأداء، بالإضافة إلى غياب آليات الرقابة والمحاسبة الفعالة، كلها عوامل تعمل على إضعاف ثقة الشعب في مؤسسات الإدارة الذاتية.
من الجوانب المهمة التي يجب أن تدرس بعناية في هذه المرحلة هو دور الشباب والنساء في العملية السياسية والإدارية داخل الإدارة الذاتية، فهؤلاء يشكلون جزءاً كبيراً من المجتمع، وهم القوة الدافعة نحو التغيير والتجديد. ومع ذلك، لا تزال مشاركتهم غير متكاملة أو غير ممثلة بشكل كافٍ في مراكز صنع القرار، ما يقلل من ديناميكية المشروع ويحد من تجديده. إن تمكين هذه الفئات عبر توفير فرص حقيقية للمشاركة، وتطوير برامج تدريبية وتعليمية، يساهم في بناء قيادة مستقبلية قادرة على مواجهة التحديات وتعزيز الديمقراطية التشاركية. هذا الأمر ليس فقط مطلباً أخلاقياً واجتماعياً، بل هو أيضاً عامل حاسم في ضمان استدامة الإدارة الذاتية ونجاحها على المدى الطويل.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الفجوة تتسع يوماً بعد يوم بين مؤسسات الإدارة والشارع، وهذا لا يعود فقط إلى تراجع الخدمات أو ارتفاع تكاليف المعيشة، بل إلى الشعور المتنامي لدى فئات واسعة من الناس بأن صوتهم لم يعد مسموعاً، وأن مساحات النقاش المجتمعي تتقلص لصالح خطاب رسمي لا يشهد تغييراً ملحوظاً.
التجربة التي بدأت بعنوان “إرادة الشعوب” باتت اليوم بحاجة ملحة إلى إعادة ضبط اتجاه البوصلة، فليس كافياً أن نتحدث عن المقاومة، الإدارة الذاتية، والهوية فقط، من دون وجود نظام داخلي يحترم الكفاءة ويمنح المجتمع المدني دوراً فعلياً، ويفتح الأبواب أمام النقد البنّاء والشفافية. إن نجاح التجربة لا يُقاس فقط بما تحققه من أمن نسبي أو استقرار جغرافي، بل بقدرتها على إقناع سكانها بأنهم شركاء حقيقيون في صنع القرار، وأنهم يمتلكون القدرة على التأثير والتغيير.
بعيداً عن نبرة البيانات الرسمية والشعارات المتكررة، يمكن القول إن الإدارة الذاتية وصلت إلى لحظة الحقيقة الفاصلة، ليس فقط لأنها مهددة من الخارج، بل لأنها مطالبة الآن بمواجهة واقع داخلي معقد مثقل بالكثير من الأسئلة والتحديات.
إن أحد أهم دروس السياسة الحديثة هو أن الشرعية لا تُستمد من الإنجازات الماضية فقط، بل من القابلية المستمرة للتصحيح والتكيف مع الواقع المتغير، وإذا لم تنفتح الإدارة الذاتية على هذا المنطق النقدي، فإنها ستظل عرضة لخطر أعظم من التهديدات الخارجية، وهو الانكفاء الداخلي.
*افتتاحية العدد 105 من صحيفة السلام




