
بعد مرور عام كامل على سقوط نظام الأسد، كان السوريون يأملون أن تبدأ مرحلة تاريخية جديدة تُغلق فيها أبواب الاستبداد وتُفتح مسارات الحرية والعدالة، غير أن الواقع الراهن يكشف خيبة واسعة، إذ سقطت الواجهة وبقيت البنية الذهنية ذاتها حاضرة في الحكم، فالعقلية القائمة على الإقصاء واحتكار القرار واستخدام القوة ما زالت تتحكم بسلوك السلطة الجديدة، وإن تبدلت الشعارات والأسماء والرايات.
تتجلى هذه الاستمرارية في سياسات الحكومة السورية الجديدة المؤقتة التي ركزت السلطة بيد فئة محدودة، ومنعت قيام شراكة وطنية حقيقية تشمل مختلف المكونات السورية، وبدل إدارة مرحلة انتقالية جامعة، جرى تكريس مركزية صارمة تتعامل مع التنوع بوصفه تهديداً ينبغي إخضاعه، فهذا النهج يعيد إنتاج الأسباب نفسها التي فجّرت الصراع، ويقوّض أي أمل ببناء دولة مستقرة. والأخطر يتمثل في الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق مكونات بعينها، ولا سيما العلويين والدروز، إلى جانب قمع الأصوات المختلفة وإسكاتها بالسلاح، وعليه، فإن أي سلطة تزعم القطيعة مع الماضي ثم تبرر العنف تفقد شرعيتها الأخلاقية.
لذلك يصبح إشراك جميع المكونات في الحكم دون تمييز ضرورة وجودية، لا خياراً سياسياً، فالسوريون، بكل انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية، شركاء متساوون في الوطن، والإقصاء يولد شعوراً دائماً بالتهديد.. وفي هذا السياق تبرز اللامركزية حلاً عملياً ومنصفاً، فاللامركزية لا تعني التقسيم، بل توزيع الصلاحيات وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها ضمن دولة واحدة وسيادة موحدة.. لقد أثبتت التجربة أن المركزية المفرطة أنتجت التهميش والاحتقان. واليوم تبدو المعادلة واضحة: إما اللامركزية التي تحمي الوحدة، أو مركزية قسرية تقود فعلياً إلى التقسيم.
يترافق ذلك مع تصاعد خطاب الكراهية والطائفية الذي تروّجه جماعات وشخصيات محسوبة على الحكومة الجديدة، عبر شيطنة مكونات كاملة وتحميلها مسؤولية جماعية، فهذا الخطاب يدمّر النسيج الاجتماعي ويغلق أبواب الثقة، إذ لا يمكن بناء دولة بخطاب تحريضي، ولا ترميم مجتمع بالتخوين.
كذلك، تسهم التدخلات الإقليمية، وعلى رأسها تركيا، في تعميق الانقسامات عبر آلة إعلامية لا تتوقف عن التحريض، خاصة ضد الكرد والعلويين والدروز، وهذه السياسات لا تنطلق من حرص على السوريين، بل من مصالح ضيقة تستخدم سوريا كساحة نفوذ، لذا فإن حل الخلافات يجب أن يكون سورياً خالصاً، قائماً على حوار وطني شامل بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
بعد أكثر من عقد من القتل والدمار والتهجير، ومع دخول عام ألفين وستة وعشرين، يستحق السوريون الأمان والاستقرار والسلام. يستحقون دولة قانون لا دولة سلاح. ولن يتحقق ذلك إلا بنبذ الكراهية، واعتماد اللامركزية، وبناء عقد اجتماعي جديد قائم على الشراكة، فإما وطن جامع لكل أبنائه، أو استمرار دوامة صراع بلا نهاية.
ويفترض هذا المسار أيضاً إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية شفافة، وفصل السلطات، وضمان استقلال القضاء، وحماية الحريات العامة، وحرية الإعلام، وحق التنظيم السياسي السلمي، كما يتطلب معالجة آثار الحرب اقتصادياً واجتماعياً، عبر سياسات إنصاف وتنمية متوازنة، وإعادة إعمار عادلة، وعودة آمنة للمهجرين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، دون انتقام أو إقصاء.
إن طريق السلام طويل، لكنه ممكن بالإرادة والحكمة، وكل تأخير في الإصلاح يزيد الكلفة الإنسانية، لذلك فإن اللحظة الراهنة تفرض شجاعة القرار، والالتزام بصون كرامة الإنسان، وتحويل الألم إلى فرصة تأسيسية، وبهذا تُطوى صفحة الحرب، وتُكتب بداية جديدة لسوريا.
إن المستقبل يُبنى اليوم بالاختيارات الصحيحة، لا بالشعارات. وسوريا، بتاريخها وتنوعها، قادرة على النهوض إذا اختارت الشراكة والعدالة. أما استمرار الإقصاء، فلن ينتج سوى مزيد من الخسائر. لقد آن الأوان لسياسةٍ تُنقذ البلاد وتكرم الإنسان، وذلك عبر إرادة وطنية صادقة، وبرنامج واضح، يضع السلام هدفاً، والإنسان محوراً، ويصنع مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة جميعاً، بمسؤولية، وتكاتف، ووعي، واحترام، يضمن الاستقرار لكل السوريين دون استثناء.
*افتتاحية العدد 111 من جريدة السلام




