أخبار

المثال العراقي قد يتكرر في سوريا.. التهديدات أولاً ثم التعاون

لقد حوّلت الحرب الأهلية في سوريا، المستعرة منذ أكثر من عقد، المنطقة إلى صراع على السلطة، بينما تقف سياسة تركيا تجاه سوريا عند مفترق طرق حرج. في ظل الوضع الراهن، الذي انحرف عن أهدافه الأولية، ما الخيارات المتاحة للحكومة؟ ما مدى واقعية التدخل العسكري المحتمل في روج آفا؟ وكيف يؤثر العامل الإسرائيلي، الذي غيّر هذه المعادلة برمتها، على أفعال تركيا؟ تحدثنا مع الأستاذ المشارك أوزكان غوكجان من قسم العلوم السياسية والإدارة العامة بجامعة منذر حول التطورات في المنطقة والسيناريوهات المستقبلية المحتملة.

أكد غوكجان أن سوريا بلدٌ يتميز بتنوعه العرقي والطائفي، مذكرًا الجميع بأنها تشهد حربًا أهلية عنيفة، شاركت فيها جهات محلية ودولية على حد سواء، لأكثر من عقد. وأضاف: “إن إسقاط نظام الأسد اليوم لا يعني بالضرورة عودة الأمور إلى طبيعتها فجأة. بل إن أهم مؤشر على ذلك هو استمرار التوترات في جنوب وشمال سوريا. ورغم تراجع حدة التوترات خلال الاشتباكات بين الجماعات المسلحة الدرزية  وقوات الحكومة المؤقتة/الجماعات المسلحة البدوية في السويداء، جنوب سوريا، في يوليو/تموز، إلا أن استمرار هذا الوضع واستمراره في ظل الوضع الإداري الحالي أمرٌ مشكوك فيه”، مشيرًا إلى أن وضعًا مشابهًا يسود شمال البلاد. وأوضح غوكجان أنه لم تسفر الاتفاقية الموقعة بين الإدارة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية في 10 مارس/آذار عن أي نتائج ملموسة بشأن كيفية تشكيل المستقبل السياسي والاجتماعي  لشمال وشرق سوريا قال: “يريد الأكراد الحفاظ على مكاسبهم الإدارية تحت مظلة اتحاد أو حكم ذاتي جزئي، والاندماج في الحكومة المركزية. تُفضّل الإدارة المؤقتة، بقيادة أحمد الشرع (الجولاني)، حلاً وحدوياً تنقل فيه قوات سوريا الديمقراطية قوتها العسكرية ومكاسبها الإدارية. وبينما تدعم تركيا حالياً أطروحات الإدارة المؤقتة، إلا أن تحقيق هذا الحل على المدى القصير يبدو صعباً، بالنظر إلى التطورات ليس فقط في شمال سوريا، بل أيضاً في جنوبها. وحتى في حال وجود اتفاق بين الطرفين، تبقى هناك اختلافات في وجهات النظر حول كيفية تنفيذه”.

أشار غوكجان إلى وجود سيناريوهين رئيسيين لتركيا فيما يتعلق بمستقبل سوريا على المديين المتوسط ​​والطويل، وتابع: “الأول هو التمسك بموقف إقامة دولة مركزية موحدة في سوريا. والثاني هو تبني موقف يفضل الانتقال إلى هيكل فيدرالي مشابه للعراق أو نموذج حكم قائم على الحكم الذاتي الجزئي في سوريا. السيناريو الأول هو السيناريو الذي تدعمه تركيا وتبقي على خيار التدخل العسكري قائمًا. وبهذا المعنى، فإن الإدارة المؤقتة في سوريا وإصرار تركيا على دولة موحدة قد يؤديان إلى تطبيق خيار التدخل العسكري. ومع ذلك، فإن تطبيق هذا الخيار يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالديناميكيات الإقليمية، والموقف الأمريكي، وعملية السلام في تركيا. إن التدخل العسكري المحتمل لتركيا من شأنه أن يدحض الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل لعدم اعترافها بحدود سوريا، ويمهد الطريق أمام إسرائيل لزيادة وجودها في سوريا. من ناحية أخرى، على الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين صرحوا بأنه لن تكون هناك دولة لقوات سوريا الديمقراطية في سوريا، وأنه سيتم الحفاظ على الهيكل الوحدوي، تركيا تعارض أي عملية عسكرية شاملة. وأخيرًا، «قد يؤثر التدخل العسكري أيضًا على مسار عملية السلام في تركيا. لذلك، في هذا السيناريو، أرجح أن تكون العمليات العسكرية أقل شمولًا وأكثر محدودية في هدفها المقصود، وهو الترهيب».

أعرب غوكجان عن رأيه في السيناريو الثاني قائلاً: “هذا سيناريو لا ترغب تركيا في التفكير فيه إطلاقًا في الوقت الحالي. ومع ذلك، فإن تحقيقه ليس بيد تركيا وحدها. إذا تحقق هذا السيناريو وظهر هيكل اتحادي في سوريا، فقد تشهد تركيا تحولًا في تصوراتها الأمنية والتهديدية. والعراق مثالٌ بارزٌ على ذلك. لسنواتٍ عديدة، اعتبرت تركيا أيضًا الهيكل الكردي المستقل الذي نشأ في العراق في التسعينيات تهديدًا. ومع ذلك، بعد عام ٢٠١٢، تغيرت الأمور، وسرعان ما أصبحت حكومة إقليم كردستان العراق أحد أهم حلفاء تركيا في المنطقة. ولعبت العوامل الاقتصادية، مثل استغلال موارد النفط والهيمنة على قطاع البناء، دورًا هامًا في ذلك. وقد يحدث وضعٌ مماثلٌ في سوريا أيضًا”.

أشار غوكجان إلى أن تركيا تعتبر توسّع إسرائيل في السيطرة على مرتفعات الجولان وعلاقاتها الوثيقة مع الدروز تهديدًا كبيرًا للأمن القومي والإقليمي لسوريا. وقال: “الأهم بالنسبة لتركيا هو علاقة إسرائيل بالجهات الكردية الفاعلة في سوريا، وخاصةً قوات سوريا الديمقراطية. وكما تعلمون، فقد أدت هذه العلاقة إلى ظهور رواية ممر داوود. وقد ظهرت سيناريوهات مفادها أن الهدف النهائي لإسرائيل هو ترسيخ الهيمنة عبر خط يمتد من جنوب سوريا إلى شمال شرقها. وبينما ترفض كل من إسرائيل وقوات سوريا الديمقراطية هذا السيناريو، إلا أنه يؤثر بالتأكيد على تصورات تركيا للأمن القومي. في الواقع، من المؤكد أن آخر ما تريده تركيا هو وجود روج آفا ضمن نطاق نفوذ إسرائيل”.

صرح غوكجان قائلاً: “قد يدفع هذا التهديد الأمني ​​المُتصوَّر إلى سيناريو عملية عسكرية في المستقبل القريب، بالإضافة إلى تطوير شكل جديد من العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية”. وتابع: “أعتقد أنه من السابق لأوانه التنبؤ بما سيحدث. في هذه الأثناء، وبينما تُعدّ إسرائيل عاملاً أساسياً في سياسة تركيا تجاه سوريا، تسعى الإدارة السورية المؤقتة إلى تجنب الصراع المباشر مع إسرائيل وتجنب مواجهة الولايات المتحدة. لقد فشلت الإدارة المؤقتة في اتخاذ أي إجراء يتجاوز إدانة سيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان، وتدميرها طائرات ومعدات الجيش السوري في الجنوب، وقصفها لدمشق، ودعمها للدروز، وحوارها مع الأكراد السوريين. يُمهد هذا الوضع الطريق لتنامي نفوذ إسرائيل في سوريا، وعلى عكس رغبات تركيا، لدور متزايد لإسرائيل في السيناريوهات المستقبلية المتعلقة بسوريا

المصدر:  Medya scope / اليف اكين

ترجمة : باقي حمزة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى