
(السلام/ المركز الكردي للدراسات) .. تتوالى الانتهاكات، الممنهجة لكن أيضاً الناجمة عن الانفلات الأمني والقيمي الكبير، التي ترتكبها أجهزة الحكومة المؤقتة وفصائلها بحقّ المدنيين السوريين، وخاصة من أبناء المكونين العلوي والدرزي. لا يكاد يمرّ يوم دون وقوع حادثة قتل على الحواجر، أو اختطاف أو سطو، أو تهجير جماعي لأبناء هذين المكونين. ثمة سياسة اضطهاد ممنهج على الهوية الطائفية تمارس بحقّ المواطنين السوريين العلويين والدروز. سياسة تتضح الذروة فيها من خلال أعمال القتل على الحواجر ومصادرة الحقّ في الحياة، و”تنخفض” إلى حالات “الخطف/السبي” التي تطال حتى المتزوجات، ولا تنتهي بالإهانة والإذلال اللفظي ومحاربة الناس في لقمة عيشهم، عبر إجراءات الفصل الجماعي، أو القرارات العنصرية المتجدّدة في “نقل” الموظفين والعمال العلويين والدروز بشكل تعسفي من مناطقهم إلى مناطق بعيدة نائية، ضمن منهجية التضييق المستمر ومحاربة هؤلاء في لقمة عيشهم. وعادةً ما تتحجّج السلطة بأن لا دافع سياسياً وطائفياً وراء هذه الإجراءات، وأنها مجرّد خطوات فنية تتعلق بـ “ظروف العمل” ليس إلا!.
تخبرنا تجربة الأشهر الماضية من عمر سلطة دمشق (الحكومة المؤقتة، أو سلطة الأمر الواقع) عن تشكيلة واسعة من المجازر والانتهاكات ارتكبتها هذه السلطة وفصائلها بحقّ شرائح سورية، وأحدثت انقساماً وتصدعاً خطيراً في الصف الوطني السوري، وبات من غير الممكن معالجتها وتجاوز تبعاتها، بالرغم من مواصلة داعمي هذه السلطة في التغطية على كل تلك الجرائم والانتهاكات، ومحاولة تجاوزها، عبر حملات التأهيل والتمكين، التي ترمي إلى انتشال هذه السلطة من واقع الفشل التام، ومنحها فرصة جديدة، وبالتالي التمسك بها ورفض أي بديل مقترح لها، وفرضها على الشعب السوري فرضاً. ولعلّ هذا الاحتضان العربي والدولي لسلطة دمشق، رغم كل ما جرى، هو الذي يدفعها إلى التمسك بذهنية الإقصاء والتخوين، ورفض الحوار الوطني والتوافق الداخلي، والإصرار على بناء دولة شمولية مركزية، يتحكّم بها الفصيل، ويقوم على أركانها وكل مفاصلها، شيوخ وشرعيو “هيئة تحرير الشام”، ممن يوجّهون الوزراء والمسؤولين في الخفاء، مستندين إلى تجارب بناء وإدارة “الإمارة الإسلامية”، ابتداءً من النموذج الحيّ المعمول به في “أفغانستان طالبان” أو بحسب النموذج المتخيَّل الذي أورده أبو بكر ناجي في مانيفستو “إدارة التوحش”. حيث يقوم الشيوخ الثقاة الذين يُعتبرون من “عظم رقبة” فصيل “هيئة تحرير الشام” بالإشراف على تنفيذ بنوده، وعلى ضوء “متطلبات المرحلة”، بدءاً من “النكاية والإنهاك”، ومروراً بـ “إدارة التوحش”، وانتهاء بمرحلة “تحقيق الشوكة والتمكين” واستكمال بناء الإمارة الإٍسلامية!
تتضح نواة (دولة الفصيل) في كونها قائمة على الفكر الجهادي، الذي يجتهد الشرعيون في تعطيل بعض “الفرعيات” من الأحكام الشرعية بحسب متطلبات الزمان والمكان، لصالح التمكين طويل الأمد، مع التمسك بالثوابت أو “الأصول” والتمويه بقدر المستطاع على كل ذلك. وعليه تغيب مصطلحات مثل “الديمقراطية” و”الانتخابات” و”دولة المواطنة” التي يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن الدين والطائفة، ويحدث تزوير وتزييف والتفاف هائل، بمعية الإعلام العربي طبعاً، على كل هذه الأسس والركائز التي تقوم عليها الدولة المدنية الحديثة، والتي خرج الشعب السوري مطالباً بها، وقدّم تضحيات هائلة لتحقيقها. ولأن المرحلة استثنائية، وثمة تربّصٌ بالتجربة، فإنه لا ضير من قبول واقع تشكّل عدة اتجاهات و”محاور قوى” حول النواة الجهادية للدولة، تساعد في دعم الرسالة/المشروع وتمريرها، وهي هنا الاتجاهات الطورانية (على نهج الذئاب الرمادية) والبعثية (التفسير العنصري للقومية العربية)، والتي يمكن من خلالها تعبئة قطاعات وإمكانات كثيرة ضمنها، ترفد (دولة الفصيل) الجهادي بسبل القوة والمنعة، بالإضافة إلى استقطاب قوى ودول تتبنى هذين الاتجاهين علناً. ومن هنا يحاول الفصيل الجهادي استخدام القومية العربية البدائية والعصبية الإثنية ضد خصومه من دعاة الدولة الوطنية (وكذلك ضد الكرد وشمال شرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، على أكثر من مستوى وعلى أكثر من صعيد)، ويتم الشحن والتحريض والتثوير، فيحمل الخطاب الإعلامي الرسمي بعداً عنصرياً وتصبح دعوات التطهير العرقي والتهديد بارتكاب الإبادات والمجازر مجرّد “وجهات نظر”، فيما تتقدم “الفزعات العشائرية”، وتتم رعايتها لتكون ظهيراً للسلطة و”قوات رديفة” تقمع بها السوريين المعارضين، مع الإصرار على الصبغة العربية وإبرازها بمناسبة وبدون مناسبة، تماماً كما كان يفعل النظام البعثي السابق، عند الحديث عن “الجمهورية العربية السورية” و”الجيش العربي السوري”، و”التلفزيون العربي السوري” وعن “الأغلبية العربية” في هذه المحافظة أو تلك، بالإضافة طبعاً إلى الاستعانة بأعدادٍ هائلة من “الفلول” و”الشبيحة” من كوادر نظام الأسدين، وصنّاع خطابيه الثقافي والإعلامي، للاستفادة من خبراتهم “التشبيحية” في وجه خصوم السلطة، هذا غير “إعادة تدوير” شخصيات سياسية وأمنية متورّطة في انتهاكات وجرائم بحقّ السوريين، ورجال أعمال ناهبين فاسدين، وتأهيلهم لخدمة السلطة ومتابعة القضايا الإدارية و”التكنوقراطية” التي لا يزال كوادر الفصيل عاجزين عن فهمها والتدبر فيها.
أما بالنسبة للاتجاه الطوراني فإنه يحظى برعاية مباشرة من الدولة التركية. وتسعى أنقرة من خلاله إلى التغلغل ضمن بنية الدولة السورية، وبناء دولتها هي داخل (دولة الفصيل)، والتأثير فيها، لتكون هي، وبالتالي كل سوريا، عبارة عن دولة تابعة و”منطقة نفوذ” تركية. ولا تزال تركيا تقود فصائل ما يعرف بـ “الجيش الوطني السوري” الذي أسسته عام 2017، وتدير بشكل مباشر المناطق التي احتلتها في عمليات عسكرية أعوام 2016 و2018 و2019، عبر نظام إداري وتعليمي مرتبط بالداخل التركي، وتُصرّ على منع عودة المهجَّرين الكرد إلى مناطقهم، والإبقاء على واقع التغيير الديمغرافي وتوطيده وخاصة في كل من عفرين ورأس العين. ويتعدّى الدور التركي الجانبين العسكري والإداري، إلى الجوانب الاقتصادية والعسكرية والسياسية، فأنقرة تحاول ربط الاقتصاد السوري بالتركي، وتعيد هيكلة هذا الاقتصاد والإشراف عليه، بحيث يكون ريعياً تابعاً للاقتصاد التركي ومرتبطاً به، إلى جانب ضمان أن تبقى سوريا سوقاً مفتوحة للبضائع والمنتجات التركية، وتظلّ الصناعة الوطنية قاصرة ضامرة، لا فرص أمامها على النهوض والمنافسة. أما في الجانب العسكري، فتبدو السلطة في دمشق مستسلمة تماماً للإرادة التركية من جهة قبول البرامج التركية في التدريب والتسليح وبناء العقيدة القتالية للجيش السوري الجديد. أما سياسياً، فيكفي النظر إلى الزيارات/الاستدعاءات للمسؤولين السوريين إلى أنقرة، بعد كل خطوة داخلية أو خارجية تقوم بها الحكومة، ويظهر فيها نوع من “الاستقلالية” أو الخروج عن الخطوط التي رسمتها أنقرة مسبقاً.
ثمة عدّة “سوريات” تتشكّل في ظل هذه الأحوال. من جهة، دولة فصيل “هيئة تحرير الشام”، القائمة على فكر سلفي جهادي، يتلوّن و”يتحوّر” في الفروع، حسب الحاجة والظروف، لكنه يحاول أن يبقى ثابتاً على منهجية “التمكين” والتمسك بـ “الأصول”. ودولة عنصرية، يتكوّر حولها القوميون البدائيون وبقايا البعث، و”شبيحة” الإعلام والاقتصاد والسياسة. وهي دولة معادية بالضرورة للتنوّع والتعددية ولقيم المواطنة، وتذهب في تمجيد العرق وتقديم “كليشيهات” التفوّق العرقي، وتتهدّد الكرد وغيرهم بالمجازر والتطهير العرقي. ودولة الاتجاه الطوراني، تحت إشراف تركيا، وتضمّ أمراء حرب متورطين في ارتكاب جرائم وانتهاكات ضد الإنسانية بحقّ سوريين آخرين، وسماسرة قاموا بتجنيد مرتزقة سوريين للحرب لصالح المشاريع التركية في أذربيجان والنيجر وليبيا، وهؤلاء ولاؤهم لتركيا وسلاحهم في خدمتها، وهم في حقيقة الأمر “عصا غليظة” تلوّح بها أنقرة فوق رأس سلطة دمشق، وتحاول عبرها عرقلة بناء دولة سورية لامركزية لكل مواطنيها، ومنع حدوث أي توافق وطني خارج الإرادة والرؤية التركية، التي تقوم على اعتبار سوريا “ولاية” تابعة لتركيا، تستقي أوامرها من سرايا السلطان في قصر “بشتبيه” في أنقرة!.




