أخبارمقالات

عن الوحدة الوطنية المزعومة

شهدت سوريا خلال احتفالات ما سُمِّي بـ“الوحدة الوطنية” التي دعا إليها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مشاهد صادمة تكشف حجم الهوة بين الخطاب الرسمي اللامع، وبين الواقع الذي ينضح بالتحريض والكراهية، فبينما رفعت السلطة شعارات “ردع العدوان” و“تعزيز اللحمة الوطنية”، ظهرت في مسيرات مؤيدة في عدة مناطق سلوكيات وهتافات عنصرية ضد الأقليات، لا سيما الكرد والعلويين والدروز، وقد وصل الأمر إلى حمل أحد المتظاهرين صندوق بويا بقصد الاستهزاء من الكرد، وإطلاق شتائم طائفية صريحة ضد جماعات أخرى.. هذه المظاهر ليست مجرد انحرافات فردية؛ إنما هي مؤشر خطير على عطب عميق في مفهوم “الوحدة الوطنية” التي يجري الترويج لها.

إن السلطة التي ترفع اليوم راية الوحدة لا تستطيع في الوقت ذاته أن تغض الطرف عن استخدام العنصرية كأداة للابتذال السياسي، فالوحدة لا تُفرض بالملصقات ولا بالمهرجانات، ولا تتحقق حين تُسمح ـ أو تُتغاضى ـ عن هتافات تمزّق النسيج الاجتماعي، فكل خطاب يحرّض ضد مكوّن سوري، أيّاً كان، هو طعنة مباشرة في قلب البلد الذي يدّعي أصحابه أنهم يسعون لحمايته من التفكك.. إن حمل صندوق بويا للاستهزاء من شعب كامل، أو شتم طائفة كاملة، ليس مجرد “تجاوزات” أو “نرفزة الشارع”، بل انعكاس لثقافة سياسية ترى في الآخر خطراً وفي الاختلاف جريمة.

إن ما جرى خلال تلك المسيرات يكشف التناقض الفاضح بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية، فحين تتحدث السلطة عن “النسيج الواحد”، بينما تُرفع ضمن تجمعاتها شعارات تحقيرية ضد مكوّنات أصيلة من هذا النسيج نفسه، فإن الشعارات لا تبقى سوى أداة تجميلية لواقع مشوه، والمشكلة ليست فقط في التناقض، بل في خطورة إعادة إنتاج خطاب الانقسام تحت غطاء “الوحدة”، فالتحريض المتكرر، حتى وإن جاء من فئات مؤيدة للسلطة، يحفر خطوطاً جديدة بين أبناء البلد، ويُشعر جماعات كاملة بأن المواطنة ليست حقاً مكفولاً، بل امتيازاً تمنحه السلطة لفئة دون أخرى.

هذا المشهد لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من استخدام الهوية كأداة سياسية، لكن ما يجري اليوم يضع مستقبل سوريا على المحك، فحين تتحول “الوحدة الوطنية” إلى مجرد شعار يُستعمل لشيطنة خصوم سياسيين أو لتغطية الفشل، تفقد قيمتها كمبدأ جامع، والأخطر من ذلك أنّ تحويل الأقليات إلى مادة للسخرية أو الاتهام يسهم في تعميق مشاعر الإقصاء، ويغذي روايات الخارج بأن سوريا بلد منقسم غير قابل للحكم المشترك، وهنا تحديداً تكمن المفارقة: فالشعارات التي يُراد لها أن تكون جسر توحيد تتحول إلى أدوات هدم للنسيج الاجتماعي.

وللمقارنة، يكفي النظر إلى مناطق شمال وشرق سوريا، التي تُتهم مراراً بالسعي إلى الانفصال. هذه المناطق، رغم كل تعقيداتها وصعوباتها، تقدم تجربة مختلفة في التعامل مع التعددية، فهنا تُمارس شكل من الإدارة التي تضم ممثلين عن الكرد والعرب والسريان واليزيديين وغيرهم، وتُدار المؤسسات بلغة تعتمد الاعتراف بالتنوع لا إنكاره، إنها تقدّم نموذجاً عملياً للتعايش اليومي، بعيداً عن الشعارات البراقة التي لا تستند إلى واقع.

المفارقة الكبرى أن المناطق المتهمة بالانفصال هي نفسها التي تشهد قدراً أعلى من التعايش، بينما المناطق التي تُرفع فيها رايات “الوحدة” تشهد خطابات تهدم أساس هذه الوحدة، ففي شمال وشرق سوريا، لا يسمع المرء هتافات ضد العرب أو السريان أو العلويين، فهذه التجربة، رغم كل نقد يمكن توجيهه لها، تكشف أن الوحدة الوطنية تُبنى حين يشعر كل فرد أنّ له مكاناً محترماً داخل المجتمع، لا حين يُطلب منه الوقوف تحت راية رسمية بينما يُسمع تحته الشتائم ضد هويته.

إن ما شهدته المسيرات من تحريض وكراهية هو تهديد مباشر لسوريا المستقبل، وليس مجرد حادث عرضي، فالوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا لافتة تُزيّن واجهات المدن، بل ممارسة يومية تتجسد في قبول الآخر واحترامه، وكل سلطة تغض الطرف عن خطاب الكراهية، أو تسمح له بالتمدد داخل جمهورها، تساهم ـ بقصد أو دون قصد ـ في تفكيك البلد الذي تدّعي الدفاع عنه، فسوريا تحتاج اليوم إلى مصالحة عميقة تُعيد تعريف الانتماء والمواطنة، لا إلى مهرجانات تُردَّد فيها شعارات بلا روح بينما يتآكل المجتمع من الداخل.

*افتتاحية العدد 110 من صحيفة السلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى