مقالات

طلال محمد: قراءة في مقابلة الشرع مع قناة شمس

شهدت الأيام الماضية انتشار مقاطع من مقابلة رئيس السلطة الانتقالية في سوريا السيد أحمد الشرع مع قناة شمس، هذه المقابلة والتي كشفت عن خطاب موارِبيّ وحذر شديد لم يخدم سوى تعقيد فرص أي حوار جدي مع قسد وممثلي شمال شرق سوريا.

حديثه عن إدراج حقوق الكرد ضمن الدستور السوريّ والمظالم التي تعرضوا لها تحت النظام السابق، رغم أنه يبدو محاولة تهدئة، في الواقع يترك المجال مفتوحاً لتفسيرات لا تلزم الحكومة بأي خطوات عملية ملموسة، ويغفل الطبيعة الحقيقية لقسد التي ليست قوة كردية بحتة بل قوة سورية متعددة المكوّنات تضم الكرد والعرب والسريان ومكوّنات محلية أخرى، وتمثل عنصراً رئيسياً في المشهد السياسيّ والميدانيّ في شمال وشرق سوريا.

فصل الشرع بين الشعب الكرديّ وقسد واعتباره الأخيرة كياناً خارج الدولة السورية لم يكن مجرد تصريحٍ نظري بل رسالة واضحة باستبعاد طرفٍ أساسيٍّ من أي تفاوض سياسي، وهو ما يضع أي اتفاقات قائمة، وبشكل خاص اتفاقية 10 مارس الموقعة بينه وبين الجنرال مظلوم عبدي على المحكّ. كانت هذه الاتفاقية تهدف إلى وضع مسار تفاوضي لتسوية وضع القوات سوريا الديمقراطية، وضمان الحقوق الدستورية للمكوّنات في شمال وشرق سوريا، وفتح قنوات تعاونٍ مع الحكومة الانتقالية، لكن تصريحات الشرع حول اعتبار قسد كياناً خارج الدولة وأطرافها مجرد مكوّنٍ كردي أجهضت أي أساس عملي للاتفاقية وجعلت من الصعب على مظلوم عبدي الالتزام بالالتزامات أمام قواعده وقيادته العسكرية والسياسية.

التطرق إلى المظالم التاريخية وحقوق الكرد يعكس خطاباً إعلامياً استعراضياً أكثر من كونه خطة قابلة للتنفيذ، ويضع الجماهير السورية في شمال وشرق البلاد أمام شكوكٍ جدية حول نوايا السلطة الانتقالية، فالمسؤول الذي يتحدث عن حقوقٍ عامة دون آليات واضحة أو ضمانات عملية لا يمكن أن يُقنع أي طرف بأنه جاد في الحوار.

كلام الشرع، رغم صيغته المعتدلة الظاهرية، أضعف أي فرصةٍ للحوار البنّاء مع قسد أو ممثلي مناطق شمال وشرق سوريا، وزاد من الاحتقان والريبة، مما يعكس استراتيجية الشرع في المحافظة على صورة الدولة الموحدة أمام الداخل والخارج دون الالتزام بخطواتٍ ملموسة على الأرض.

 إضافةً إلى ذلك، جاء ذكره للزعيم الكردي مسعود البرزاني في سياق المقابلة، ما يكشف عن بعدٍ آخر في خطاب الشرع؛ فقد يبدو هذا الذكر محاولة لإظهار نفسه كشخصية متصلة بالشركاء الإقليميين وأطرافٍ سياسية كردية بارزة، في مسعى لإعطاء انطباع عن قدرة على التواصل والتأثير، وخلق نوعٍ من الغطاء السياسي في حال تم رفض أي حوار مباشر مع قسد، كما أنه قد يكون محاولةً لتلميع صورته أمام المجتمع الدولي بأن لديه شبكة علاقات مع القادة الكرد، وبالتالي تقديم نفسه كوسيطٍ محتمل بين الأطراف السورية والكردية.

هذا الأسلوب، رغم أنه يعطي الشرع بعداً دبلوماسياً ظاهرياً، إلا أنه لا يعالج المشاكل الجوهرية في العلاقة مع قسد، ولا يقدم أي حلولٍ ملموسة لتطبيق الحقوق أو دمج المكوّنات السورية المتعددة في شمال وشرق البلاد.

التداخل بين تصريحات الشرع حول الدستور وحقوق الكرد وفصله لقسد عن الدولة وذكره للبرزاني، يعكس استراتيجيةٍ مزدوجة : من جهة يريد أن يحافظ على صورته كمعتدل ووسيطٍ دولي،  ومن جهة أخرى يحاول احتواء أي تهديد سياسي داخلي عبر إعادة التأكيد على سيطرة الدولة على أي تسوية مستقبلية.

كل هذه العناصر تجعل أي اتفاقٍ سابق، مثل اتفاقية 10 مارس، في حالةٍ شبه انهيارٍ عملي، وتطرح تساؤلاتٍ حول مدى جدية السلطة الانتقالية في الانخراط في حوارٍ حقيقي مع قسد أو ممثلي شمال شرق سوريا.

على الرغم من محاولاته أن يكون صادقاً في طروحاته وكان لدى عموم فئات المجتمع محبةٌ له ولشخصه، إلا أن هذا اللقاء أحاط لشخصه بشكوكٍ قوضت رؤى عامة لدى أغلبية الشعب السوريّ، مما أضعف مصداقيته على المستوى الشعبيّ والسياسيّ.

في المجمل، خطاب الشرع، رغم الظهور المعتدل واللغة التطمينية، يظهر على أرض الواقع كخطابٍ استعراضي يركز على الصورة الإعلامية والسياسية أكثر من بناء حلولٍ حقيقية للأزمات القائمة، ويترك الاتفاقيات القائمة والحوارات المحتملة في وضعٍ هش، مع تأثيرٍ سلبي محتمل على ثقة الجماهير والمكونات السورية في شمال وشرق البلاد.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن أي خطوةٍ فعلية نحو الحوار وإعادة بناء الثقة مع قسد ستحتاج إلى إعادة صياغةٍ واضحة وصريحة لمواقف السلطة الانتقالية، واعترافٍ كامل بدور قسد كقوةٍ سورية متعددة المكوّنات، وليس مجرد مكوّنٍ كردي، مع تقديم آلياتٍ ملموسة لتنفيذ الحقوق ودمج القوات ضمن الدولة السورية، وإلا ستظل أي تصريحاتٍ أو اتفاقاتٍ شكلية معرضةً للفشل ويزداد الاحتقان السياسيّ والميدانيّ في شمال وشرق سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى