عقيل سعيد محفوض: ماذا يقول السوريون للعالم؟

(السلام- المركز الكردي للدراسات) .. يمثل العنف والموت، الإجابة الرئيسة من قِبَلِ «السوريين» على الأسئلة التي يطرحُها العالم عليهم حول: السياسة والتعدد الاجتماعي والإثني والديني والثقافي والقيمي، والعدالة الانتقالية وغير الانتقالية، وإعادة «لملمة» معنى البلد ومعنى مجتمع ودولة (أو ما يُعَدُّ مجتمعاً ودولة) في سوريا؟
وهذه الإجابة صادمة ومهولة بكل معنى الكلمة، وتمثل الصوت الأكثر ارتفاعاً. فضلاً عن أنها مستمرة بلا انقطاع. وهي لا تكشف فقط عن إفلاس أو اختلال مدارك وقيم ورهانات السياسة التقليدية في سوريا، بل تُعرِّي أيضاً هشاشة البُنى الاجتماعية والثقافية التي كان يُفترض أنها راسخة. فالعنف الذي يشهده البلد ليس مجرد انفجار عابر أو نتيجة صراع طارئ، بل هو تجلٍّ عميق لأزمة بنيوية في فهم الذات، وفي تصور طبيعة الانتماء والهوية الجمعية. هذا العنف يتحدث بلغة أكثر فصاحة من أي خطابات أو ادعاءات سياسية أو ثقافية. وهذا لا يمثل بالضرورة الإجابة الوحيدة أو الأكثر عمقاً.
الأسئلة السورية
وهذا يضع الجميع أمام أسئلة هي الأكثر تكثيفاً للأوضاع الراهنة اليوم، من قبيل: هل لا يزال بالإمكان الحديث عن سوريا، مجتمعاً ودولة، بعد كل ما حدث، وبعد غرق البلاد بالعنف والموت، منذ حدث 2011 وحتى اليوم، والتهديد بالمزيد منهما؟ وهل أن التداخلات والتخارجات في المسألة السورية – وهي قديمة – أكبر من قدرة السوريين على التعامل معها وإدارتها، بما هم سوريين، وبما أمكن من عقلانية وإنسانية؟
إن هذه الأسئلة تطرح نفسها بإلحاح في ظل واقع يبدو فيه أن «سوريا» كمفهوم جامع قد تفككت إلى شظايا متناحرة. والأخطر من ذلك، أن هذا التفكك لم يعد مجرد اختلاف في الرؤى السياسية أو الاجتماعية، بل تحول إلى «صراع وجودي» يرى كل طرف فيه أن بقاءه مرهون بـ«فناء» الآخر. هذا التحول النوعي في طبيعة الصراع يجعل أي حديث عن «المصالحة» أو «إعادة البناء» يبدو ساذجاً أو منقطعاً عن الواقع.
هل يجب أن يكون السوريون مخلصين بالتمام لـ «جذر» السياسة في هذا المشرق وفي تاريخهم، وهو السلطة والقوة والغلبة، والعَصَبِيَّة القبلية والدينية، والاستباحة، أكثر منه «تدبير» الاجتماع والتعدد والاختلاف في الظاهرة الاجتماعية والبشرية؟ أم أن عليهم أن يَقْلِبُوا المعادلة لتكون السياسة «تدبيراً» و«إدارة» لـ «الاختلاف» و«التنوع» في أفق «مجتمع ودولة»؟ يا لَهَوْلَ ما هم فيه، وهَوْلَ ما هم مُقبِلُون عليه! إذ إن «الظاهرة السورية» اليوم ولودة، ولم تكشف بعد عن أقصى إمكاناتها واحتمالاتها، الكارثية بكل أسف.
في قلب الكارثة
ليس كل ما يحدث من صنع أيدي «السوريين» فقط، حتى ما تصنعه أيديهم «يتمفصل» مع ديناميات استتباع واختراق بالغة الحدة والعمق والشمول. هم أنفسهم «نتاج» أو «حصيلة» ديناميات تعصب وكراهية شديدة التكثيف والتعبير والتجلي، وشديدة التدمير. وكلما أَوغَل السوريون في التعصب والكراهية والدماء، زاد ما يقدمونه للآخرين، وقَلَّ ما يفعلونه لأنفسهم، بما هم سوريون. أمرهم غريب بالفعل: يُفَرِّطُون في التقاط الفرصة، ويَتَعَجَّلُون وقوع الكارثة، بكل هِمَّة وحَمَاسَة، بل هم في قلب الكارثة، بكل همة وحماسة أيضاً!
وهذا يكشف عن طبيعة معقدة للأزمة السورية، فهي ليست مجرد «صراع داخلي» بين «مكونات محلية»، بل هي جزء من شبكة أوسع من التناقضات والصراعات الإقليمية والدولية. لكن الأخطر في هذا السياق هو أن السوريين – على الأغلب – لم يكتفوا بأن يكونوا «ضحايا» لهذه التداخلات، بل تحول جانبٌ منهم إلى «فواعل» تدمير للبلد، بل إنهم – في الغالب – يتسابقون في رهانات وأجندات قاتلة.
إن السوريين اليوم يعيشون مفارقة مأساوية: كلما ازدادوا انغماساً في العنف باسم «الدفاع عن الهوية»، كلما فقدوا هويتهم السورية – هل لا يزال لهذه الكلمة من معنى؟- وتخندقوا في هوياتهم القاتلة. وكلما ادعوا أنهم يقاتلون من أجل «سوريا»، كلما ساهموا في محوها من الوجود. هذه المفارقة ليست مجرد «سوء فهم» أو «خطأ في التقدير»، بل هي تعبير عن انقلاب جذري في منظومة القيم ومنطق الفعل السياسي والاجتماعي، حيث تصبح الوسائل غايات في حد ذاتها، ويصبح تدمير الوطن طريقاً لـ «إنقاذه»!
تَصَدُّع فكرة سوريا
يعتقد جزء من «السوريين»، ولا نعلم حجمه الفعلي أو نسبته من «المجتمع»، لكننا نعلم ونشاهد حضوره وتأثيره الطاغي على المشهد، أن المقاربات الطائفية والشروع بالانتقام والإبادة من جهة، وإنكار حدوثها من جهة أخرى، … تبني بلداً مستقراً. الصحيح أنها أمور تصدع فكرة سوريا وفكرة مجتمع ودولة فيها. والصحيح أيضاً هو أن القتل والطائفية والإقصاء لا يبني بلداً.
ليأخذ السوريون العبرة مما سلف، من تاريخهم وتواريخ غيرهم، ومن حاضرهم وحاضر غيرهم. ربما أمكن إقامة سلطة وحكم ونظام سياسي، لكن على قلق وخوف دائمين، من «الداخل» و«الخارج». ومن يستخدم السلاح ضد الناس، لن يستطيع أن يحكمهم إلا بالسلاح، ومن يقيم على الظلم والعدوان والقتل لا يحصد إلا ما زرع، وفوقه العار والانهيار. ولا تزال الدروس قريبة وراهنة جداً.
إن هذا الاعتقاد (المقاربات الطائفية، والانتقام، ..) يكشف عن خلل عميق في فهم طبيعة البناء السياسي والاجتماعي. فالذين يؤمنون بأن الإقصاء والإبادة يمكن أن يؤسسا لاستقرار، إنما يخلطون بين «الهدوء القسري» المؤقت و«الاستقرار الحقيقي» المستدام. والتاريخ مليء بأمثلة على سياسيات قامت على القمع والإقصاء، وبدت مستقرة لفترات، لكنها انهارت في النهاية تحت وطأة تناقضاتها الداخلية. مرة أخرى: إن الدروس قريبة وراهنة جداً. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على «إزالة» الاختلاف، بل على «إدارته» بطريقة عادلة ومتحضرة.
إخفاق تاريخي
أخفق السوريون، حتى الآن، في تدبير الطريق المناسب لـ «تجسير» الفجوات، و«وصل» الانقطاعات، و«تفكيك» الاختناقات بين التكوينات الاجتماعية، و«تصحيح» العلاقة بين «المجتمع والدولة» أو «ما يُعَدُّ مجتمعاً ودولة»، بل مجرد التفكير في «مجتمع ودولة» بالفعل. وثمة «اختلال» في ديناميات وموازين المعنى والقوة، و«إخفاق» في فهم ما هم فيه وما يقتضيه. و«تَعَجُّلٌ» في المسار من جهة، و«تباطؤٌ» في معايرته وتقعيده وشرعنته من جهة أخرى. والأهم هو تَوَسُّل التطرف والعنف والكراهية سبيلاً للسياسة.
هذا الإخفاق ليس مجرد «نقص في الخبرة» أو «ضعف في الأدوات»، بل هو تعبير عن أزمة أساسية في «منهجية التفكير» السياسي. فالسوريون يبدون كأنهم عاجزون عن التفكير «الاستراتيجي» أو «طويل المدى»، ومحكومون بمنطق «الانتقام الفوري» و«المكاسب السريعة». هذا المنطق يجعلهم يُفَوِّتُون الفرص التاريخية للبناء، ويُسارعون نحو الهدم والتدمير. إنهم يتعاملون مع السياسة كـ «لعبة صفرية» حيث لا يمكن أن يربح طرف إلا إذا خسر الآخر بالكامل، بدلاً من أن يروا فيها «لعبة تعاونية» يمكن أن يربح فيها الجميع.
إهدار الإنسان
وهذا الاختلال في موازين المعنى والقوة يَظهر بوضوح في الطريقة التي يستخدمها كثيرون لـ «تسويغ» الأفعال الأكثر وحشية باستخدام أنبل المفاهيم، فـ«الأمن والاستقرار» يصبح مرادفاً لـ«الغزو» و«التهجير»، و«العدالة» مرادفة لـ«الانتقام» و«الظلم» و«إهدار الإنسان»، و«الكرامة» مرادفة لـ«الإذلال» و«الحط من كرامة الآخرين». هذا الانقلاب في المعاني ليس مجرد «مناورة سياسية»، بل هو تعبير عن فقدان البوصلة الأخلاقية والسياسية.
وتحدث تفسيرات (قل: تبريرات) غريبة للعنف والقتل الطائفي، و«أبلسة» و«تأثيم» طيف اجتماعي (وإثني وديني وثقافي) واسع النطاق في البلاد، ووضع «الآخر» و«المختلف» – من هذا المنظور – في خانة التهديد بـ«الإبادة» أو «الإقصاء». ويطال ذلك – أو جانب منه – شرائحَ اجتماعية ذات توجهات قيمية وإيديولوجية وسياسية مختلفة. وبدلاً من الكف عن القتل، يتم التحريض لفعل المزيد. وبدلاً من إزالة الجدران، يتم تعزيزها ورفعها، بل وبناء المزيد منها. وحتى الآن، لم يحدث كل أو أقصى ما يُخافُ منه. وما ظن السوريون أنهم سوف يتجاوزونه، يبدو أنهم يَجِدُّون السير فيه بكل همة وحماسة ويقين.
وثمة مؤشر آخر على عمق الأزمة، وهو أن السوريين لا يكتفون بممارسة العنف، بل يسعون إلى «تطبيعه» و«شرعنته» و«تقديسه» أحياناً. هذا يجعل العنف كما لو أنه «طبيعي» و«مبرر»، بل و«ضروري» أيضاً. وهكذا تصبح الجريمة جزءاً من «الثقافة السائدة»، والقتل جزءاً من «منطق» و«متطلبات» السياسة، والكراهية جزءاً من «الهوية الجمعية». هذا التحول الثقافي العميق يجعل احتمالات الخروج من دورة العنف ضئيلة جداً، لأنه يتطلب تغييراً جذرياً في منظومة القيم والمعاني.
رهانات ورسائل
ما يحدث هو أن السوريين «يقولون» الكثير، على مستوى الواقع المعيش، عن أحوالهم واتجاهات الأمور لديهم. لكن ذلك لا يمثل الإجابة المطلوبة على أسئلة كثيرين منهم حول: المواطنة، والمأسسة، والدولنة، والمشاركة، والعدالة. وبالطبع، لا يمثل الإجابة المطلوبة على أسئلة العالم «المتحضر» (!) حيال المسألة السورية. ولا يزال العالم في تَرَقُّب، ولو أن ثمة «أبواب مفتوحة» و«تسهيلات» و«تيسيرات» داعمة لـ «ديناميات متعاكسة» في الظاهرة السورية. ثمة نوع مما يمكن تسميته «الوصل – القطع»: دعم الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، واشتراطات لا حدود لها، تضع الظاهرة السورية تحت وطأة أعباء وتحديات أكبر من قدرتها على تحملها.
إن ما «يقوله» السوريون بأفعالهم اليوم هو رسالة واضحة للعالم مفادها أن «المشاركة» و«حقوق الإنسان» و«المجتمع المدني» مجرد «كلمات جوفاء» عندما تصطدم بـ«الحقائق الصلبة» للانتماءات الأولية والمصالح الضيقة. والأسوأ أن الرهانات العالمية تصبح ذريعة إضافية لمزيد من العنف، في دورة لا تنتهي من اللوم المتبادل والخوف وانسداد الأفق.
في الختام
إن اللحظات الأكثر قساوة، عادة ما تكون حبلى بـ «الإمكان»، وفي قلب الكارثة لا يزال نداء أن نكون سوريين، وليس مجرد مكونات (طوائف وقبائل ومناطق إلخ)، حاضراً. وهذا مبعث أمل، لكنه ليس أملاً تلقائياً، ولا تحصيل حاصل، بل هو أمل مشروط بالوعي، والهمة لـ «إعادة التفكير» في أفق مجتمع ودولة، بالسياسة وليس القوة والعسكرة، والمشاركة والتداول وليس التفرد والاستئثار، ومنطق «أمة المواطنين» وليس «الفرقة الناجية»، في الدين والسياسة.
وإذا لم يتدبر السوريون أحوالهم، بما هم سوريين، ولم يقولوا شيئاً لـ «العالم»، خلاف ما يفعلونه، وخلاف ما هم عليه اليوم، وما يَجِدُّون السير فيه بكل هِمَّة وعَمَاء، فسوف يكونون محل تداخلات ورهانات ووقائع أكثر كارثية. وقد تبقى سوريا، لكن اسماً على غير مسمى، وبلداً ممزقاً وغارقاً بالعنف والموت والعار.




