أخبارمقالات

الحكاية السورية بين الخطاب الانتقالي وأفعال السلطة المؤقتة

منذ اندلاع الثورة السورية وما تلاها من صراع طويل، ظلّ السوريون يبحثون عن صيغة جامعة تمثّل آلامهم وآمالهم في آن واحد. في خضم هذا البحث، برز خطاب أحمد الشرع رئيس المرحلة الانتقالية، بخاصة عندما استخدم عبارة “الحكاية السورية” في الأمم المتحدة وفي إدلب. بدا وكأنه يسعى إلى صياغة رواية وطنية تتجاوز الانقسام، من بين كل ما قيل في السنوات الأخيرة، بدت هذه العبارة الأكثر لفتاً للانتباه. لم تكن عبارة إنشائية عابرة، بل محاولة لتلخيص مأساة بلد في كلمة واحدة تختزن التاريخ والمعاناة والبحث عن أفق جديد. في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي كلمته في إدلب، قدّم الشرع نفسه كمن يسعى إلى سرد رواية وطنية لا تقتصر على السياسة أو الحرب، بل تتجاوزهما إلى إعادة تعريف السوريين أنفسهم كأبطال في قصة كبرى لم تكتمل بعد. هذه اللغة المليئة بالرمزية بدت وكأنها استعادة للمعنى المفقود وسط الركام، لكن حين نقارنها بما تقوم به الحكومة المؤقتة والفصائل التابعة لها، يظهر التناقض بوضوح، إذ يظل الخطاب في مكان، والممارسة اليومية في مكان آخر تماماً.

الشرع في خطابه الأممي أراد أن يقول للعالم إن سوريا ليست مجرد ملف أمني أو نزاع إقليمي، بل قضية إنسانية كبرى تستحق أن تُروى كحكاية. بهذا وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية، إذ لا يمكن ترك هذه القصة معلّقة على مشاهد الدم والتشريد. وحين خاطب الداخل من إدلب، منح الناس الذين أنهكتهم الحرب مكانة مختلفة؛ لم يعد النازح مجرد ضحية، ولا المقاتل مجرد رقم في معركة، بل أصبحوا جميعاً جزءاً من الحكاية الوطنية التي ستُكتب للأجيال القادمة. أراد أن يعيد الاعتبار لكرامة الداخل، وأن يقدّم للناس معنى يخفف من عبثية ما يعيشونه. إنها محاولة لرأب الصدع بين الداخل والخارج، بين السياسة والوجدان، بين المأساة اليومية والحلم بالحرية.

لكن على الأرض، حيث يفترض أن تتحول هذه اللغة إلى ممارسة، تبدو الصورة مختلفة. الحكومة المؤقتة التي كان يُفترض أن تدير مرحلة انتقالية فعلية لم تنجح في صياغة أي سردية جامعة. بياناتها أقرب إلى نشرات إدارية باردة، تفتقر إلى البعد الرمزي أو الرؤية الوطنية الشاملة. ما يصدر عنها غالباً لا يتجاوز إدارة الشؤون الخدمية أو محاولة ضبط الأمن في بقع محدودة من الشمال، بينما تغيب عنها اللغة التي تعطي الناس شعوراً بالانتماء إلى مشروع وطني. أسوأ من ذلك أن قراراتها تبدو في كثير من الأحيان انعكاساً لإرادة داعميها الإقليميين أكثر من كونها تعبيراً عن مصالح الداخل. بهذا المعنى، لم تستطع الحكومة المؤقتة أن تقدّم نفسها كحاملة للحكاية السورية، بل بدت أقرب إلى سلطة محلية عالقة في التفاصيل اليومية.

الفصائل المسلحة بدورها لم تساعد في صياغة صورة أفضل. على العكس، كل فصيل صاغ روايته الخاصة، وكأن كل منطقة وكل مجموعة مقاتلة تريد أن تكتب حكايتها بمعزل عن الآخرين. النتيجة كانت تشظي الخطاب وتعدد الحكايات المتناقضة. لغة السلاح طغت على لغة السياسة، وغالباً ما جاء الخطاب محمولاً على نزعة إقصائية أو تبريرات دينية وعسكرية لا تترك مجالاً للاعتراف بالتنوع السوري. الممارسات اليومية للفصائل – من جبايات واعتقالات وصراعات داخلية – قوّضت أي إمكانية للنظر إليها كجزء من الحكاية الوطنية الجامعة. بل يمكن القول إن هذه الممارسات دفعت الناس إلى الشعور بأن حياتهم تدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق السياسة، وأن ما يُقال عن الحكاية السورية في المنابر الكبرى لا يجد ترجمة على الأرض.

الفارق بين خطاب الشرع وأفعال الحكومة المؤقتة والفصائل يكشف هوة عميقة. الشرع قدّم رؤية تنطلق من فكرة أن سوريا كلها كيان واحد له قصة واحدة، بينما المؤقتة والفصائل يتعاملون مع الواقع كفسيفساء من مناطق نفوذ وملفات محلية. الشرع استخدم لغة وجدانية إنسانية تحاول أن تمنح للدماء معنى وللمعاناة قيمة، بينما الطرف الآخر يستخدم لغة تقنية بيروقراطية أو عسكرية لا تخاطب الروح ولا توحّد الناس حول فكرة. الشرع حاول أن يمنح المرحلة الانتقالية شرعية مزدوجة، داخلية وخارجية، بينما بقيت المؤقتة والفصائل أسيرة شرعية محدودة، إما من اعتراف داعم خارجي أو من سيطرة السلاح. في خطاب الشرع هناك وعد بالمستقبل، وفي فعل المؤقتة والفصائل هناك تكريس للوضع الراهن.

لكن النقد لا يمكن أن يقتصر على الحكومة المؤقتة والفصائل وحدها. خطاب الشرع نفسه يواجه حدوداً. فالحكاية قد تبقى مجرد استعارة أدبية إذا لم تُترجم إلى برنامج سياسي عملي، وإذا لم تُرفد بآليات واقعية تُمكّن السوريين من رؤية نتائج ملموسة. الناس الذين يعيشون تحت القصف أو تحت سلطة الفصائل لن يكتفوا بسماع لغة رمزية جميلة، بل يحتاجون إلى ضمانات حقيقية بأن المرحلة الانتقالية ستغيّر حياتهم. هنا يكمن التحدي الأكبر: كيف يمكن تحويل الحكاية إلى سياسة، والرمز إلى ممارسة، والخطاب الجامع إلى عقد اجتماعي جديد؟

في النهاية، يظهر أن السوريين يقفون اليوم بين خيارين: خطاب يمنح الأمل ورؤية إنسانية شاملة، وواقع يومي تسيطر عليه سلطات متنازعة لا ترى أبعد من مصالحها الضيقة. الشرع حاول أن يكتب الحكاية السورية كقصة وطنية واحدة، لكن الحكومة المؤقتة والفصائل ما تزالان تقدمان أفعالاً تمزق القصة وتحوّلها إلى شظايا. المعضلة الحقيقية أن هذه الهوة بين اللغة والواقع قد تفقد الناس ثقتهم بكل ما يقال في المنابر الكبرى. وإذا لم يتمكن القادة من ردم هذه الفجوة، فإن الحكاية السورية ستبقى ناقصة، معلّقة بين خطاب لا يجد من يترجمه وفعل يغرق في التفاصيل والتناقضات. ومع ذلك، فإن مجرد وجود من يحاول أن يصوغ الرواية على نحو جامع يذكّر بأن الطريق لم ينغلق تماماً، وأن أمام السوريين فرصة، ولو ضئيلة، لإعادة كتابة قصتهم بيدهم، بعيداً عن سرديات الآخرين.

*افتتاحية العدد 108 من صحيفة السلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى